الصالحي الشامي
473
سبل الهدى والرشاد
عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون حتى أن الرجل ليعرض عن أبيه وأخيه ، وحتى إن المرأة لتعرض عن زوجها ، فمكثوا كذلك أياما حتى ركب الذين تخلفوا ، وجعلوا يعتذرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجهد والأسقام ، ويحلفون له فرحمهم وبايعهم واستغفر لهم . ذكر حديث كعب بن مالك وأصحابه - رضي الله عنهم - روى ابن إسحاق ، وعبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، والإمام أحمد ، والشيخان عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال : لم أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك ، غير أني كنت تخلفت عن غزوة بدر ولم يعاتب الله أحدا تخلف عنها ، إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر - وفي رواية : وإن كانت بدر أكثر ذكرا في الناس منها . كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إلا ورى بغيرها ، وكان يقول : " الحرب خدعة " حتى كانت تلك الغزوة ، غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعددا كثيرا ، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم - وفي لفظ أهبة عدوهم - فأخبرهم بوجهه الذي يريد ، والمسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرون - وعند مسلم يزيدون على عشرة آلاف ( 1 ) . وروى الحاكم في الإكليل عن معاذ - رضي الله عنه - قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفا ( 2 ) ، وقال أبو زرعة الرازي : لا يجمعهم كتاب حافظ - قال الزهري : يريد الديوان ، قال كعب : فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله تعالى . وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حين طابت الثمار والغلال في قيظ شديد ، في حال الخريف والناس خارفون في نخليهم ، وتجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتجهز المسلمون معه ، فخرج في يوم الخميس وكان يحب إذا خرج في سفر جهاد أو غيره أن يخرج يوم الخميس ، فطفقت أغدوا لكي أتجهز معهم فارجع ولم أقض شيئا ، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه ، وفي رواية : وأنا أقدر شيئا في نفسي على الجهاد وخفة الجهاد ، وأنا في ذلك أصبوا إلى الظلال
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 8 / 113 ( 4418 ) ومسلم 4 / 2120 - 2128 ( 53 ) ، والبيهقي في الدلائل 5 / 273 ، والمغازي للواقدي 3 / 997 والبداية 5 / 23 . ( 3 ) انظر البداية 5 / 23 .